المقريزي
263
المقفى الكبير
وكتاب شرح السنّة ، وهو لطيف ، بيّن فيه مذهبه وما يدين اللّه به ، على ما مضى عليه الصحابة والتابعون وفقهاء الأمصار . وكتاب المسند المخرج يأتي على جميع ما رواه الصحابة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من صحيح وسقيم ، ولم يتمّه . ولمّا بلغه أنّ أبا بكر ابن أبي داود السجستانيّ تكلّم في حديث غدير خمّ ، عمل كتاب الفضائل ، فبدأ بفضل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي اللّه عنهم ، وتكلّم على تصحيح غدير خمّ ، واحتج لتصحيحه ، وأتى من فضائل عليّ بن أبي طالب بما انتهى إليه ، ولم يتمّ الكتاب . وكان ممّن لا تأخذه في دين اللّه لومة لائم . وحكى أنّه استخار اللّه وسأله الإعانة على تصنيف التفسير ثلاث سنين فأعانه . وروى القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعيّ قال : نا عليّ بن نضر بن الصبّاح التغلبيّ : ثنا القاضي أبو عمر عبيد اللّه بن أحمد السمسار ، وأبو القاسم ابن عقيل الورّاق ، أنّ أبا جعفر قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة . فقالوا : هذا ممّا تفنى الأعمار قبل تمامه . فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة . وقال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا : كم قدره ؟ [ 184 أ ] فذكر نحوا مما ذكره من التفسير . فأجابوه بمثل ذلك ، فقال : إنّا للّه ! ماتت الهمم ! - فاختصره في نحو مما اختصر التفسير . وقال أبو بكر الخطيب عن القاضي ابن كامل : أربعة كنت أحبّ بقاءهم : أبو جعفر الطبريّ ، والبربريّ ، وأبو عبد اللّه بن أبي خيثمة والمعمريّ ، فما رأيت أفهم ولا أحفظ . ومولد أبي جعفر في سنة أربع وعشرين ومائتين بآمل « 1 » ، ووفاته ببغداد يوم السبت ، ودفن يوم الأحد بالغداة في داره ، لأربع بقين من شوّال سنة عشر وثلاثمائة - وقيل : توفّي عشيّة الأحد ليومين بقيا من شوّال ، ودفن يوم الاثنين - ولم يتغيّر شيبه وكان السواد في رأسه ولحيته كثيرا . وكان أسمر إلى الأدمة ، أعين نحيف الجسم ، مديد القامة ، فصيح اللسان . ولم يؤذّن به أحد . واجتمع عليه من لا يحصيهم عددا إلّا اللّه . وصلّى على قبره عدّة شهور ليلا ونهارا ، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب . وقيل : إنّه دفن بمصر بسفح المقطّم من القرافة ، وليس بصحيح . قال الفرغانيّ : وكان عالما زاهدا ورعا فاضلا ، متقنا لقراءة حمزة الزيّات . ومن طريف فتاويه أنّ رجلا قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا بتاتا لا خاطبتني بشيء إلّا خاطبتك مثله . فقالت له في الحال : أنت طالق ثلاثا بتاتا . فأفتاه فقهاء بغداد بأنّها لا بدّ أن تطلّق وأنّ عليه أن يجيبها بمثل ما قالت فتصير بذلك طالقا . فدلّه شخص على أبي جعفر فجاءه وأخبره بما جرى عليه . فقال له : امض ولا تعاود الأيمان وأقم على زوجك بعد أن تقول لها : أنت طالق ثلاثا بتاتا إن أنا طلّقتك - فتكون قد خاطبتها ما خاطبتك به فوفيت بيمينك ولم تطلّقها .
--> ( 1 ) قال ياقوت : أكبر مدينة بطبرستان ، والنسبة إليها : آملي . وذكر محمد بن جرير ونزّهه عن الرفض فقال : وإنّما حسدته الحنابلة فرموه بذلك .